MSf doctor with patients

ما وراء التشخيص: نحو الالتفات إلى مرضى الثلاسيميا والإنصات إليهم وتقديرهم

لا يقتصر العيش مع الثلاسيميا على مجرد التعامل مع حالة طبية، فهو مسار مليء بالتحديات كمواجهة الوصم الاجتماعي، وتعزيز تكافؤ الفرص، وبناء الثقة، وضمان أن يُصغى إلى المرضى وعائلاتهم، لا أن يُكتفى بعلاجهم.

والثلاسيميا اضطراب دموي وراثي يؤثر في قدرة الجسم على إنتاج الهيموغلوبين، ما يؤدي إلى فقر دم مزمن. أما المصابون بالأشكال الشديدة منه، فتلازمهم الرعاية مدى الحياة، إذ يحتاجون إلى نقل دم منتظم والعلاج الاستخلابي للحديد (وهي أدوية لإزالة فائض الحديد الضار من الجسم)، بالإضافة إلى متابعة طبية مستمرة للوقاية من مضاعفات خطيرة قد تطال القلب والكبد وجهاز الغدد الصمّاء المسؤول عن تنظيم الهرمونات.

في سوريا، لا تزال الثلاسيميا تشكّل تحدّيًا بارزًا في مجال الصحة العامة. ويُقدَّر أن نحو 5 في المئة من السكان هم من حاملي سمة الثلاسيميا، أي إنهم يحملون جينًا واحدًا متحوّرًا، وغالبًا ما يكونون أصحاء من دون أن يدركوا أنهم يحملونه. وعندما يكون كلا الوالدين حاملين لهذه السمة، يرتفع خطر ولادة أطفالهم بأشكال شديدة من المرض. وعلى الرغم من وجود تدابير وقائية مثل الفحوصات قبل الزواج، فإن الوصول إليها والإقبال عليها لا يزالان غير منتظمين.

٥٪
من السكان في سوريا هم من حاملي سمة الثلاسيميا أصحاء في الغالب وقد لا يدركون أنهم يحملون الجين.

إلا أن التحديات لا تقتصر على الجانب الطبي. ففي مجتمعات مختلفة في حمص، لا يزال الوصم الاجتماعي يفرض الصمت على العديد من العائلات. فبعضها يخفي التشخيص خوفًا من نظرة المجتمع، فيما يواجه آخرون صعوبة في الوصول إلى معلومات واضحة وموثوقة، ويعتمدون بدلًا من ذلك على شبكات غير رسمية قد تكون داعمة أحيانًا، لكنها قد تنقل معلومات مضلّلة أيضًا. وفي الوقت نفسه، يُبدي المرضى ومقدّمو الرعاية استعدادًا لافتًا للتفاعل ومشاركة تجاربهم والمساهمة في إيجاد حلول.

وهنا يأتي دور منظمات مثل أطباء بلا حدود، التي تعمل جنبًا إلى جنب مع المجتمعات المحلية، ليس فقط لتقديم الرعاية الطبية، بل أيضًا لتعزيز الفهم حول الثلاسيميا وبناء الثقة وقنوات الحوار.

في حمص، تدعم أطباء بلا حدود أيضًا مركز أمراض الدم الوراثية من خلال مجموعة من الأنشطة المكمّلة التي تسهم في تحسين سلامة المرضى ومقدّمي الرعاية. ويشمل ذلك إعادة تأهيل مبنى المركز وتوفير المستلزمات والمعدات الطبية الأساسية، إلى جانب دعم كوادر مديرية الصحة التي تعمل في المركز في مجال رعاية الثلاسيميا. وإلى جانب هذا الدعم الطبي، تقدّم أطباء بلا حدود أنشطة في مجال الصحة النفسية والتثقيف الصحي والتواصل المجتمعي، بما يتيح توفير بيئة أكثر أمانًا ودعمًا للمرضى ومقدّمي الرعاية والمجتمع المحيط، ويسهم في تعزيز الوعي وبناء الثقة وضمان استمرارية الرعاية.

الإصغاء إلى تجاربهم

تشكّل تجربة التعايش مع الثلاسيميا مسارًا شخصيًا عميقًا في نظر كثير من المرضى، ويتأثر ذلك بزياراتهم المنتظمة إلى مركز أمراض الدم الوراثية وبدعم عائلاتهم، وباللحظات التي تكتنفها حالة من عدم اليقين. لكنها أيضًا تجربة يطبعها الصمود.

"أنظر إلى الثلاسيميا كصديق، لا كعائق. منذ الصف الحادي عشر، عقدت العزم على دراسة الطب، وأنا اليوم في سنتي الثالثة. أحلم بأن أصبح طبيب أمراض دم، لأتمكن من مساعدة المرضى الذين يعانون من المرض نفسه، وأن أقدّم لهم الدعم والفهم كما يفعل أطبائي معي اليوم".

علي، طالب طب ومصاب بالثلاسيميا في مركز أمراض الدم الوراثية في حمص

يؤدي مقدّمو الرعاية، وغالبًا من الوالدين أو الأقارب المقرّبين، دورًا أساسيًا في حياة المرضى، إذ يدعمون رحلة العلاج، ويتنقّلون معهم بين خدمات الرعاية الصحية، ويحرصون على الدفاع عن احتياجاتهم وحقوقهم.

"اكتشفنا إصابة علي بالثلاسيميا عندما كان في السادسة من عمره… كنت أحضر له كل ما يحبّ لإلهائه أثناء جلسات نقل الدم في المستشفى. وكنت أبقى مستيقظة طوال الليل حتى ينتهي من استخدام جهاز الاستخلاب عندما كان طفلًا".

والدة علي

"أحيانًا كان يعود من المدرسة منزعجًا. كنت أسأله عمّا يضايقه، فيخبرني أن أحد الأطفال أزعجه بأسئلة عن لون بشرتك أو عيناه الصفراوان".

والدة علي

يشهد مقدّمو الرعاية الصحية يوميًا على الجانبين الطبي والإنساني للمرض. ومن أبرز ما تقوم به فرق أطباء بلا حدود هو مرافقة المرضى خلال زياراتهم المتكررة إلى مركز أمراض الدم الوراثية، وتقديم الدعم لهم، وإضفاء لحظات البهجة على يومهم ويوم مقدّمي الرعاية في أشد الأوقات وطأة عليهم.

أبعد من الوصم الاجتماعي

الثلاسيميا حالة طبية يمكن التعايش معها، وليست مدعاة للعار. فالحوار المفتوح يسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة ويفتح المجال لمزيد من القبول والاندماج. وعندما يزداد وعي المجتمع بطبيعة المرض، يصبح المرضى أكثر إقبالًا على طلب الرعاية مبكرًا والالتزام بالعلاج والتنعّم بحياة أفضل.

في حمص، تُبذل جهود متواصلة لتيسير الوصول إلى الفحوصات وتشجيع الناس على المبادرة بطلب الرعاية الصحية. تؤكد والدة علي، انطلاقًا من تجربة عائلتها، على أهمية الفحص قبل الزواج والتشخيص المبكر، لما لهما من دور في تمكين العائلات من اتخاذ قرارات واعية ومدروسة.

"على الناس أن يحاولوا تجنّب المرور بكل هذه التجربة وأن يقوموا بما بوسعهم، بما في ذلك إجراء الفحوصات قبل الزواج والتشخيص المبكر، حتى لا يلومهم أبناؤهم في المستقبل".

والدة علي

ولا يقلّ أهمية عن ذلك تغيير الطريقة التي نتحدَّث بها عن الثلاسيميا: فلا تكون بصوت خافت أو همس، بل بوضوح، وبما يحفظ كرامة المرضى ويرسّخ احترامهم.

المرضى والمجتمعات في صميم الرعاية

المرضى ومقدّمو الرعاية ليسوا مجرّد متلقّين للخدمات، بل شركاء فاعلون فيها. يدافعون عن صحتهم، ويسهمون في بناء مجتمعات أكثر وعيًا وقوة.

لا يتحقّق بناء الثقة في الرعاية الصحية بتقديم الخدمات وحدها، بل يقوم على تواصل واضح ومتّسق يضع الإنسان في جوهره، وعلى الإصغاء بقدر ما يقوم على تقديم المعلومات.

"خلال جلسات الشاي التفاعلية التي ننظّمها ضمن أنشطة التوعية الصحية، أخبرَنا الأشخاص المتعايشون مع الثلاسيميا أنهم لم يُخاطَبوا بهذه الطريقة من قبل. فهناك لا يُلقى عليهم كلام، بل يُصغى إليهم حقًا. في تلك اللحظة، حين يدرك الشخص أن لتجربته قيمة، تكمن بداية بناء الثقة. والثقة ليست مجرد مهارة شخصية، بل هي أساس تقديم الرعاية. فمرضانا هم أصلًا صوت لأنفسهم ومصدرٌ للمعرفة، وهم قادرون على إيجاد حلول. ودورنا ليس أن نحلّ محلّ قدراتهم، بل أن ندعمها ونساعدهم على الحفاظ على سلامتهم".

غريس لو، مديرة التوعية الصحية والتفاعل المجتمعي في أطباء بلا حدود

ما وراء التشخيص، يستحق الأشخاص المتعايشون مع الثلاسيميا أن يُرَوا ويُقدَّروا ويُصغى إليهم. فأصواتهم أساسية، ليس فقط لتحسين الرعاية، بل للإسهام في رسم مستقبل لا يُعرَّف فيه أحد بمرضه ولا يُقيَّد بسببه.