woman in nabatiyeh in a building roof top where she used to take care of her flowers and plants

يا بيتًا لنا

لبنان · قراءة مطوّلة

"بيتي بيشبه لون السما، وريحته ريحة الأرض": أصوات المهجرين قسرًا وذكريات من الجنوب.

"طلعة صغيرة، أوّلها من تحت، شجرة زنزلخت كبيرة. بتطلعي شوي، عندي شجرة أكيدنيا، حبتها كبيرة وطيبة كتير، منضل معربشين عليها... بيت صغير، ناعم، غرفتين ومطبخ وحمام ومبسوطة فيهن".

كمثل طفلة تصف بيتًا رأته في حلمها، حدّثتنا وردة* عن بيتها في دير الزهراني بمحافظة النبطية في جنوب لبنان.

بعيد اندلاع التصعيد الأخير للحرب الإسرائيلية في لبنان في الثاني من مارس/آذار المنصرم، بقيت وردة مع زوجها وابنها وبناتها الثلاث طوال 18 يومًا في البيت، وسط هدير القصف وتواصل الغارات الجوية، حتى وصلت الصواريخ الإسرائيلية إلى خلف بيتهم وأوقعت قتلى وجرحى، فغادرت العائلة مجبرة بحثًا عن الأمان. وردة هي إحدى السيدات اللواتي التقينا بهن في مراكز الإيواء في بيروت، والجية في جبل لبنان، حيث تقدم فرق أطباء بلا حدود الخدمات الطبية من خلال العيادات المتنقلة التي أطلقتها ضمن الاستجابة الطارئة لتصعيد الحرب في لبنان.

حرب وتهجير ومعاناة متعددة

تسببت الحرب الإسرائيلية خلال ذروتها بتهجير أكثر من مليون شخص في لبنان، وحتى 22 يوليو/تموز، لا يزال أكثر من 375,000 منهم غير قادرين على العودة إلى بيوتهم، أو ببساطة لم يعد لديهم بيوت يعودون إليها، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

التهجير في لبنان بالأرقام

  • 1,000,000+شخص هُجّروا في أنحاء لبنان خلال ذروة الحرب الإسرائيلية
  • 375,000+لا يزالون غير قادرين على العودة إلى بيوتهم، أو لم يعد لديهم بيوت يعودون إليها (المنظمة الدولية للهجرة، حتى 22 يوليو/تموز 2026)
  • 18يومًا بقيت خلالها عائلة وردة في بيتها تحت القصف قبل أن تُجبر على المغادرة

المصدر: المنظمة الدولية للهجرة، أرقام حتى 22 يوليو/تموز 2026. اندلع التصعيد الأخير للحرب الإسرائيلية في لبنان في الثاني من مارس/آذار 2026.

يقاسي المهجّرون قسرًا التبعات المستمرة للحرب والنزوح، والتي لا تقتصر مطلقًا على فقدان البيت والمستقر. تسبب عنف الطيران الحربي الإسرائيلي وما يرافقه من جدران الصوت بإجهاض ولاء*، النازحة مع زوجها وابنها وابنتها من ميفدون، بمحافظة النبطية. تقول ولاء، "صوت الطيران كان كتير مخيف وبيفزّع. قد ما كان الواحد عنده إيمان برب العالمين، بس الخوف مو بإيده". كانت ولاء مقيمة مع زوجها محمد علي* في جبل الشيخ بسوريا، مسقط رأس زوجها، وانتقلا عام 2011 إلى وطنها لبنان واستقرا في جنوبه.

أما حليمة، المهجّرة مع زوجها وابنتها من قعقعية الجسر في النبطية إلى مدرسة رسمية في بيروت، فقد أثقلها النزوح بضغوطات جسدية ونفسية شديدة. تقول، "هون أنا كل شي مستصعبته. مش متقبّلة. يعني حتى صار عندي ضغط نفسي، بطّل فيي أوقف على إجري، بدي إمشي ما فيي. إذا بدي قوم عن الأرض، بدي جوزي يشدني لأقدر قوم. رحت عند الحكيم عملت فحوصات، طلع عندي إلتهابات بجسمي كله".

الأطفال يتحملون تبعات مضاعفة

غالبًا ما اضطر النازحون بسبب الحرب الإسرائيلية الأخيرة إلى مغادرة بيوتهم عدّة مرّات، وذلك بسبب استمرار الهجمات العسكرية الإسرائيلية حتى بعيد الوقف المزعوم لإطلاق النار الذي أُعلن في أبريل/نيسان الماضي، ما خلق حالة من الاضطراب وانعدام اليقين، فاقمت المصاعب التي يواجهها المهجّرون أساسًا، من الظروف غير الملائمة في مراكز النزوح، وخاصةً فيما يخص المياه والصرف الصحي، إلى جانب انقطاع سبل العيش، وما يتبعه من ضائقة مادية وتحديات في الوصول إلى الرعاية الصحية.

أما الأطفال، وإلى جانب التحديات التي يتشاركونها مع أهاليهم، فقد تسببت الحرب بانقطاعهم عن الدراسة وبعدهم عن محيطهم اليومي. تخبرنا وردة:

"ما في ولد مرتاح. بيطلعوا بيلعبوا شوي بالنادي الرياضي، بس الصعوبة بالدروس. فش شي موفر. يعني كل ولد صار عنده حالة نفسية واكتئاب إنه ’أنا مش ببيتي‘. ما في شي قدام".

وردة*، مهجّرة من دير الزهراني، النبطية

حدثنا محمد علي وزوجته ولاء عن تدهور حالة ابنتهم بعد أن قُتلت صديقتها في غارة إسرائيلية: "بنتي عانت ولهلق بعدها بتعاني من حالة نفسية من هيدا الفقد. كانت بعدها عم تتواصل معها، عم تقلها ’بدي إجي لعندك‘، قام قصفوا بيتها، استشهدت صديقتها وأمها وخالتها وولاد خالتها. كتير عانيت معها، صار عندها مشاكل صحية ونفسية".

يعاني كثير من مراكز الإيواء من اكتظاظ كبير، إلى جانب سوء ظروف المرافق الصحية، ما قد يهدد خصوصية الأشخاص الذين يتشاركون هذه المساحات. تقول حليمة عن ابنتها البالغة من العمر 13 عامًا: "بس إجت بنتي عالمدرسة الرسمية هون، كانت ردة فعلها إنو ما بدها تسكن هون، بس الأمر الواقع، ’ماما بيت ما في. يعني ما في هلق إلا مدرسة تكون ملجأنا. بدك تتقبلي‘. استصعبتها أول كم يوم، بعدين مشي الحال. بس يعني أكتر وقتها بالغرفة".

ذكريات البيوت والأمل بالرجوع

هُجّرت نسرين من بيتها في صدّيقين بقضاء صور، وعادت إليه مع أول إعلان لوقف إطلاق النار، لكنها سرعان ما اضطرت لمغادرته مجددًا مع تجدد التهديدات العسكرية الإسرائيلية لقريتها. تقول:

"كل شي بستفقدله ببيتي. كل شي، كل شي، كل شي. وقت الهدنة، طلعنا فلّينا وعأساس خلص، ولما طلعت على البيت، وشفت [الدمار] اللي شفته، حسيت إنه طويلة. جبت كل شي أنا بحتاجه: مونة، زيت زيتون، مكدوس، بهاراتي".

نسرين، مهجّرة من صدّيقين، قضاء صور

مع بداية شهر يوليو/تموز، عادت نسرين إلى ضيعتها بعد خفض التصعيد في الجنوب، لكنها لا تزال مُبعدة عن بيتها.

خسرت سناء النازحة مع زوجها سعيد إلى بيروت بيتهم في حاريص بمحافظة النبطية، والذي كان قد نجى من القصف خلال جولات التصعيد الإسرائيلية السابقة. تقول سناء:

"أيمتى بدنا نرجع عكنبايتي، أقعد بالمطبخ، فنجان القهوة حدّي؟ هيدي حسرة بقلبي معش يمكن نلاقيها إسّا. إنشالله نضلّ عايشين ليطلع البيت وإقعد هالقعدة إرجع. حسرة، حسرة".

سناء، مهجّرة من حاريص، النبطية

يشاركها زوجها سعيد الحنين ذاته:

"على التراب بدي اقعد. حرمونا من أشياء كثيرة كانت عزيزة علينا. هيدا بيتي، والواحد بيته قميصه".

سعيد، مهجّر من حاريص، النبطية

استرجعت ابنتهما ذكرى المناسبات العائلية السعيدة عندما عادوا إلى البيت بعد الهدنة، مثل عيد الأب: "قلتلهم بدنا نجتمع مثل ما كنتوا قبل رغم هالظروف. بس إنو بدي رجّع أهلي عالجو اللي هني كانوا فيه قبل. وجبنالهم كيك وجمعت العيلة، وقعدنا. كان بيي بتذكر بالحمام، عملنا له مفاجأة وضهر. خاصة كان وقتها مريض، وكان حاكميتو جلطة وقضى بالعناية 10 أيام، فحبيت إنو غيّرله النفسية، وعملتله هيدي المفاجأة".

تشتاق وردة لجنينة بيتها، حتى أنها اشترت في نزوحها ورودًا ونباتات تحلم أن تأخذها معها عند عودتها إلى بيتها. تقول:

"أنا من النوع اللي بحب كتير الورد. عندي ممشى طويل، كله زارعيته ورد... عندك الجوري، كولونيا، الأشياء الموسمية تاعول الصيف... كل وردة وإلها قصة اسم. وبهتم فيهن مثل ولادي".

وردة*، مهجّرة من دير الزهراني، النبطية

لا تزال وردة مهجّرة في الجيّة بعيدًا عن ضيعتها.

أما ولاء، فتتوق للعودة إلى بيتها، وخاصةً وأنها لم تعد قادرة على تحضير الطعام كما كانت تحب، لعدم وجود مطبخ مجهّز في مركز الإيواء. تقول: "بحب أعمل أكل وحلويات كتير. آخر أكلة عملتها كانت ورق عنب بزيت بس رحنا بالهدنة (في شهر أبريل/نيسان) وعملت غرَيْبة. بتحسّر إنه صرلي زمان ما عملت طبخة. بالبيت كنّا نتعشى تحت بالحوش، تحت عريشة العنب. بنقعد على المصطبة على الأرض، متعودين على الأرض. منمد حصيرة وفرشات ومنقعد".

وعلى الرغم من قسوة التهجير والنزوح، سيحمل محمد علي بعض الذكريات الطيبة:

"إذا في شي بضل معنا من التهجير هو الناس الطيبة اللي تعرّفنا عليهم، والناس اللي ساعدتنا، اللي استقبلونا. ما منحس حالنا ضيوف".

محمد علي*، مهجّر من ميفدون، النبطية

*غيّرنا هذه الأسماء حفاظًا على خصوصية أصحابها. أرقام التهجير: المنظمة الدولية للهجرة، حتى 22 يوليو/تموز 2026. تقدّم فرق أطباء بلا حدود الخدمات الطبية عبر العيادات المتنقلة في مراكز الإيواء في بيروت والجيّة بجبل لبنان، ضمن الاستجابة الطارئة لتصعيد الحرب في لبنان.