غياب الأمطار وتقاعس المانحين يؤجّجان حالة الطوارئ الصحية في الصومال
مقديشو/نيروبي، 19 يناير/كانون الثاني 2026 — يواجه الصومال أزمة صحية وتغذوية حادّة في أعقاب الفشل المتتالي لمواسم الأمطار والارتفاع الكبير في أسعار المياه والتخفيضات الجسيمة في المساعدات الإنسانية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت الحكومة الفيدرالية في الصومال حالة الطوارئ بسبب الجفاف.
وفي هذا الصدد، تشهد فرق أطباء بلا حدود ارتفاعًا مقلقًا في حالات سوء التغذية وتفشّي أمراض يمكن الوقاية منها، مثل الحصبة والدفتيريا والإسهال المائي الحاد، وذلك بين السكان النازحين والمجتمعات المضيفة الذين يلتمسون الرعاية في المرافق الصحية في بيدوا ومدغ.
وبوصفه من بين أكثر بلدان العالم تأثّرًا بتغيّر المناخ، يواجه الصومال صدمات مناخية متكرّرة، تشمل موجات جفاف وفيضانات مدمّرة. وبعد فشل هطول الأمطار لأربعة مواسم متتالية، أشارت تقارير الأمم المتّحدة إلى أنّ 4.4 ملايين شخص قد يواجهون انعدامًا للأمن الغذائي بمستوى الأزمة أو أسوأ مع نهاية عام 2025، من بينهم 1.85 مليون طفل دون سن الخامسة معرّضين لخطر سوء التغذية الحاد. وتُظهر التقارير نفسها أنّ أكثر من 3.3 ملايين شخص قد أُجبروا على النزوح من منازلهم، ووصل كثيرون منهم إلى مخيّمات مكتظّة في محيط في بيدوا ومدغ.
ومع بلوغ التمويل الإنساني أدنى مستوياته منذ عقد، تشهد الخدمات الحيوية انهيارًا متسارعًا. فمنذ مطلع عام 2025، أُغلِق أكثر من 200 مرفق صحي وتغذوي على مستوى البلاد، وتراجعت المساعدات الغذائية من تغطية 1.1 مليون شخص شهريًا إلى 350 ألفًا فقط.
في بيدوا، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، رصدت فرق أطباء بلا حدود اتجاهًا مقلقًا، إذ ارتفعت حالات الإدخال بسبب سوء التغذية الحاد الشديد بنسبة 48 في المئة مقارنة بالشهر السابق. وفي الوقت نفسه، تلقّى 189 طفلًا العلاج للاشتباه بإصابتهم بالحصبة، علمًا أن 95 في المئة منهم لم يتلقّوا اللقاح سابقًا.
وفي مدغ، زادت حالات الإدخال بسبب سوء التغذية الحاد الشديد في المراكز الاستشفائية للتغذية العلاجية بنسبة 35 في المئة خلال الفترة نفسها. وأُغلِق أكثر من 182 مرفقًا صحيًا أو بات يعمل جزئيًا فقط على مستوى المنطقة،، فيما يُقدَّر أن نحو 300 ألف طفل ما زالوا معرّضين للإصابة بسوء التغذية الحاد.
وتوضح منسقة مشروع أطباء بلا حدود في الصومال، آلارا علي، "نرى أطفالًا يصلون إلى مستشفياتنا في حالات حرجة، وغالبًا بعد رحلات استمرّت أيامًا من دون طعام أو ماء. لم تقتصر عواقب الجفاف على نضوب الآبار فحسب، ولكنها طالت أيضًا شبكات الدعم التي تعتمد عليها العائلات. وفي هذا السياق، تعمل فرقنا على مدار الساعة لمعالجة حالات سوء التغذية الشديد وتفشّي الحصبة والدفتيريا، لكن الحجم الهائل للاحتياجات يدفع بقدرتنا الاستيعابية إلى أقصاها. الناس مُنهكون، ومن دون وصول فوري إلى المياه والرعاية الصحية، ستُزهق المزيد من الأرواح لأسباب يمكن تفاديها".
أدّى الجفاف إلى تدمير سُبل العيش، ما أجبر العائلات على مغادرة منازلها واللجوء إلى مخيّمات نزوح مكتظّة، حيث الوصول إلى المياه وخدمات الصرف الصحي محدودٌ بشدّة. وفي الوقت نفسه، ارتفعت كلفة المياه إلى مستويات لا يمكن تحمّلها، إذ يتراوح سعر برميلٍ بسعة 200 لتر بين 2.50 و4.00 دولارات أميركية في بيدوا ومدغ.
وتقول كلتومة كيرو، وهي أمّ في الخامسة والثلاثين من عمرها وتعيش في مخيّم للنازحين في بيدوا، واصفةً تحديات الحياة اليومية، "معظم الرجال عاطلون عن العمل، والنساء إمّا حوامل أو يعتنين بالأطفال. لا نستطيع تحمّل كلفة المياه. ونعاني نقصًا حادًا في الغذاء والمياه، كما نخشى أمراضًا مثل الكوليرا. الجوع وغياب المياه النظيفة يزيدان الوضع سوءًا يومًا بعد يوم".
واستجابةً للنقص الحاد في المياه، أطلقت منظمة أطباء بلا حدود عملية طارئة لنقل المياه بالصهاريج في بيدوا في ديسمبر/كانون الأول 2025. وبحلول منتصف يناير/كانون الثاني، وزّعت الفرق أكثر من ستة ملايين لتر من مياه الشرب الآمنة عبر 17 موقعًا للنازحين، مع تركيب خزّانات مياه وأضواء تعمل بالطاقة الشمسية لتحسين السلامة وإمكانية الوصول. وعلى الرغم من هذا الجهد المكثّف، لا تزال الاحتياجات تفوق بكثير ما يمكن تلبيته.
تقول رحمة بشير، وهي أمّ في الثامنة والثلاثين من عمرها وتعيش في مخيّم للنازحين في غالكعيو، وقد نزحت مرّات عدّة بسبب النزاع والجفاف، "نفق جميع ما أملك من ماعز وأغنام. لا نستطيع تحمّل كلفة المياه النظيفة، إذ يبلغ سعر البرميل منها أربعة دولارات أميركية، فيما يصاب أطفالنا بالأمراض نتيجة شرب المياه المالحة. ولا تُجدي أدوية الصيدلية نفعًا عندما تكون جائعًا".
ويوضح ممثّل منظمة أطباء بلا حدود في الصومال، الشافي محمد، "هذا الوضع غير مقبول، لأنه متوقَّع إلى حدٍّ كبير وكان يمكن تفاديه في أحيان كثيرة. غير أنّ الاستجابة الإنسانية الحالية هي في أدنى مستوىً لها منذ عقد، ما يترك ملايين الأشخاص من دون إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية أو الغذاء أو المياه. يتعيّن على المجتمع الدولي والسلطات الصومالية التحرك بشكل عاجل لتجنّب خسارة كارثية في الأرواح خلال الأشهر المقبلة".
تدعو أطباء بلا حدود إلى تحرّك فوري لتوسيع برامج التغذية، وحملات التلقيح، وخدمات المياه، إلى جانب التزامٍ مستدام بمساعدة المجتمعات على الصمود في وجه الصدمات المناخية المتكرّرة.
ومع بدء موسم الجفاف "جيلال" وتوقّع ارتفاع الاحتياجات بشكل أكبر، تحثّ أطباء بلا حدود الجهات المانحة والسلطات المعنية على الإسراع في صرف التمويل الطارئ للمساعدات المنقذة للحياة، بالتوازي مع الاستثمار في تدابير أطول أمدًا، بما في ذلك بنى تحتية للمياه قادرة على الصمود أمام تغيّر المناخ، ودعم مستدام للخدمات الصحية الأساسية وبرامج التلقيح. فمن دون استجابة متكاملة ومتعدّدة القطاعات، لن يكون بالإمكان تفادي خسارة هائلة في الأرواح.