الصحة النفسية في خضم العيش وسط الأزمات الأزمة المستمرة: الضغط النفسي المتواصل
أكثر من عقدٍ من الصراع في اليمن خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية الحيوية، وتسبب في تشريد الأسر، وفقدان الأحبة، وانهيارٍ حادٍ في الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية. غير أن ما هو أعمق من الدمار المادي هو الأثر النفسي العميق الذي تركته الحرب في نفوس الناس، إذ خلقت مستويات مرتفعة من الضيق النفسي والاضطراب في أوساط المجتمعات، نتيجة التعرض للعنف، والنزوح، وفقدان مصادر الدخل.
في اليمن، كثيراً ما تطغى الاحتياجات الطبية العاجلة والأساسية على الاهتمام بالصحة النفسية. فبينما تُرى الإصابات الجسدية والأمراض بالعين ويُستشعر أثرها فوراً، تبقى الاضطرابات النفسية كامنة تحت السطح، يسهل تجاهلها أو التقليل من شأنها. كما أن الوصمة الاجتماعية، إلى جانب ضعف الوعي بطبيعة هذه الاضطرابات وسبل علاجها، تشكّل عوائق كبيرة تحول دون حصول الناس على خدمات الدعم النفسي. ويُضاف إلى ذلك أن القلة القليلة من الخدمات المتاحة تعاني ضغطاً هائلاً بسبب استمرار الصراع وهشاشة النظام الصحي.
معارك صامتة ومواجهة المفاهيم الخاطئة
تلعب الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية دوراً محورياً في كبح النقاشات المفتوحة حول الصحة النفسية. فكثير من الأفراد الذين يعانون من مشكلات نفسية يشعرون بالخجل أو بالخوف من أحكام المجتمع عليهم، فيختارون الصمت ويتحملون معاناتهم وحدهم. ويسهم نقص الوعي والتعليم في هذا المجال في استمرار المفاهيم الخاطئة حول الصحة النفسية.
يقول تِنساي نيغاش، مدير أنشطة الصحة النفسية في منظمة أطباء بلا حدود في اليمن:
"العديد من المرضى الذين يأتون إلينا تُركوا ليواجهوا صراعاتهم العاطفية والنفسية بمفردهم، دون أي دعم يُذكر. إن الإحساس العميق بالوحدة الذي يعيشونه لا يزيد من سوء حالتهم النفسية فحسب، بل يجعل من الصعب عليهم التأقلم مع تحديات الحياة اليومية. معالجة هذه المشكلة أمر حيوي لمنع تدهور حالتهم النفسية أكثر، والمساعدة في كسر دائرة العزلة التي يجد الكثير منهم أنفسهم محاصرين داخلها."
ومع ذلك، فإن نظام الرعاية الصحية في البلاد، الذي أضعفته سنوات الحرب، يجد صعوبة متزايدة في تلبية احتياجات الناس. وقد تفاقم الوضع مؤخراً نتيجة التخفيضات في التمويل، التي أدت إلى تراجع حاد في توفر خدمات الصحة النفسية الأساسية.
إن رفع مستوى الوعي، وتعزيز التعليم بأسلوب يتناسب مع الثقافة المحلية، ودمج خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي ضمن الرعاية الصحية الأولية، تمثل خطوات أساسية نحو تحسين الرفاه النفسي والعاطفي في اليمن.
شعاع أمل – عيادة أطباء بلا حدود للصحة النفسية
في محافظتي حجة وعبس، تقدم منظمة أطباء بلا حدود بالتعاون مع وزارة الصحة في مستشفى الجمهوري ومستشفى عبس العام دعماً حيوياً يشمل جلسات الدعم النفسي الفردي، والرعاية النفسية المتخصصة، وجلسات العلاج النفسي التفاعلي للنساء المصابات بالاكتئاب. وفي حجة، توفر المنظمة أيضاً جلسات جماعية للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية حادة، وذلك ضمن مركز للرعاية النهارية.
من يناير حتى أغسطس 2025، استقبلت فرق أطباء بلا حدود 260 مريضاً جديداً في حجة و759 مريضاً جديداً في عبس. وقد تبين أن 60% من المرضى الجدد في حجة و22% في عبس يعانون من اضطرابات نفسية شديدة. وخلال الفترة ما بين 2022 و2024، قدمت فرق الصحة النفسية التابعة للمنظمة في حجة وعبس أكثر من 27,000 جلسة دعم نفسي فردية وعائلية، إضافة إلى 11,500 جلسة جماعية.
ولا تزال خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في اليمن محدودة للغاية. فكثير من المحتاجين إلى الرعاية يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مركز متخصص، ما يفرض عبئاً كبيراً عليهم وعلى أسرهم. وتُفاقم صعوبات النقل وارتفاع تكاليف الخدمات من التحديات التي تحول دون حصول الناس على الرعاية التي يحتاجونها.
ما تزال الحاجة إلى الدعم النفسي ملحّة وبالغة الأهمية. فعلى الرغم من الجهود المبذولة، يظلّ حجم الأزمة أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة، مما يترك العديد من الأفراد في حاجة ماسّة إلى المساعدة. وتدعو أطباء بلا حدود الجهات المانحة والفاعلين الإنسانيين إلى زيادة الاستثمار في مجال الصحة النفسية في اليمن، مؤكدة أن التدخل المبكر داخل المجتمعات ومرافق الرعاية الصحية الأولية يمكن أن يحول دون تفاقم العديد من الاضطرابات النفسية. كما أن الرعاية النفسية تُسهم في تمكين الأفراد من عيش حياة أكثر استقراراً وإنتاجية، وتعزز رفاه الأسر والمجتمعات، وتُخفف في الوقت نفسه من تكاليف الرعاية الصحية على المدى الطويل.
كسر الوصمة
إن نقص الموارد والدعم يضعف بشدة قدرة الأفراد على مواجهة تحديات الصحة النفسية، خاصة في المراحل الأولى من المرض. لذلك تعمل فرق أطباء بلا حدود على توعية المرضى وأسرهم من خلال جلسات تثقيف نفسي وتوعية فردية وجماعية داخل المستشفيات، بهدف كسر الوصمة المحيطة بطلب المساعدة النفسية.
يقول إبراهيم محمد، وهو مريض في عيادة أطباء بلا حدود في حجة:
"أعاني من القلق، ونوبات بكاء متكررة، وانعزال عن الناس من حولي، وقد حاولت [إنهاء حياتي]. لقد أثرت هذه الحالة على حياتي حتى فقدت عملي، ومع ذلك لا يزال عليّ إعالة أسرتي."
وفي ظل استمرار العنف، وانعدام الأمن الغذائي، وعدم الاستقرار الاقتصادي، من المرجح أن تتفاقم الاحتياجات النفسية والاجتماعية لدى الناس في اليمن ما لم يُقدَّم ردٌّ مناسب. فالضغوط النفسية الناجمة عن الصراع والنزوح ليست فقط واسعة الانتشار، بل أصبحت مزمنة لدى كثير من الأفراد. هذه الحقيقة تُبرز الحاجة الماسّة إلى استجابة مستدامة ومنسقة بفعالية في مجال الصحة النفسية – استجابة قادرة على التكيف مع التحديات المتغيرة وتقديم رعاية شاملة وطويلة الأمد لأولئك الذين تضرروا أكثر من غيرهم.