Hossam and Iyad at the RSP

نحن نتشارك الألم نفسه

في عام 2006، أنشأت أطباء بلا حدود برنامج الجراحة الترميمية في عمّان لتقديم الرعاية الجراحية والنفسية وخدمات إعادة التأهيل لضحايا الحروب من مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وكجزء من الرعاية النفسية المقدَّمة، يشجّع البرنامج على الدعم المتبادل بين الأقران، حيث يقدّم المرضى الدعم لبعضهم البعض بناء على تجاربهم وتحدياتهم المشتركة. ويتم ذلك بشكل منظّم من خلال جلسات العلاج الجماعي، وكذلك بطريقة غير رسمية عبر الروابط التي تنشأ بينهم خلال فترة العلاج.

في مستشفى الجراحة الترميمية في عمّان، يتبادل إياد، الفتى الفلسطيني البالغ من العمر 17 عامًا، كرة القدم مع صديقه حسام، الشاب العراقي البالغ 21 عامًا، وسط الضحكات. ويشكّل هذا النشاط جزءًا من جلسة العلاج الطبيعي التي يخضع لها إياد.

ويقول إياد، "وجود حسام بجانبي يخفف عني الكثير. نمزح كثيرًا، لكننا في الوقت نفسه ندعم بعضنا البعض. يتلاشى الألم الجسدي عندما تجد من يشاركك الضحك".

منذ لقائهما قبل بضعة أشهر في المستشفى، أصبح إياد وحسام صديقين مقربين. وخارج جلسات العلاج، يمضيان الوقت معًا في لعب كرة القدم وتناول الطعام وخوض مباريات حماسية على جهاز البلايستيشن. وفي هذا السياق، يقول حسام وهو يضحك، "في آخر مرة لعبنا فيها على جهاز البلايستيشن، فزت عليه ستة مقابل اثنين".

أصيب إياد، من مخيم النصيرات في غزة، بجروح خطيرة في فخذه بينما كان خارجًا مع أصدقائه يبحث عن الطعام. ويقول في هذا الصدد، "بدأ إطلاق النار فجأة من دون أي إنذار. أصبت في ساقي، وكان الجميع يركضون للنجاة. شعرت بخوف شديد".

اخترقت الرصاصة ساقه بعمق، مما تسبب في إصابات خطيرة في الأعصاب وفقدان الإحساس في أسفل ساقه وقدمه وكاحله. وبعد خضوعه لعمليات جراحية طارئة في مستشفيي العودة والأقصى في غزة، نُقل إلى مصر لمواصلة العلاج.

وبعد أربعة أشهر، نقلته فرق أطباء بلا حدود إلى عمّان لإجراء جراحات ترميمية متخصصة وجلسات علاج طبيعي. وعلى مدى عام تقريبًا، واظب إياد على جلسات العلاج الطبيعي يوميًا لاستعادة الحركة والإحساس في ساقه. وقد تعرّف على حسام خلال رحلة علاجه.

كان حسام في التاسعة من عمره فقط عندما أُصيب بجروح خطيرة جرّاء انفجار وقع في مسقط رأسه سامرّاء في العراق. غطّت الحروق وجهه ورقبته وبطنه وظهره ويده. أجرى حسام 17 عملية جراحية في العراق قبل وصوله إلى برنامج الجراحة الترميمية في عام 2019. ومنذ ذلك الحين، أجرى عشر عمليات جراحية أخرى، وخضع لعدد لا يُحصى من جلسات العلاج الطبيعي، إضافة إلى جلسات علاج باستخدام تقويم الرقبة الشفاف، وهي أقنعة علاجية متخصصة للحروق تُصمَّم وتُطبع باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في قسم خاص في البرنامج.

يقول حسام، "تحطمت حياتي وضاع مستقبلي. تركت المدرسة رغم أن حلمي كان أن أصبح طيارًا يومًا ما".

ويضيف، "الحياة هنا لا تشبه حياتي في العراق. كل شيء مختلف. أنا غريب هنا في الأردن، ولست محاطًا بأهلي وعائلتي".

يعرف إياد يعرف هذا الشعور جيدًا. ويقول موضحًا، "في غزة، كنت دائمًا محاطًا بالناس. ورغم الجوع والخطر والقصف، كنت أشعر بالأمان طالما كنت بين عائلتي وأصدقائي. لكن عندما جئت إلى هنا، شعرت بالخوف. كنت قلقًا من الحياة في المستشفى، ومن أنني قد لا أجد أصدقاء هنا."

ويضيف، "إضافة إلى كل هذه الإصابات، شعورك بالوحدة يجعل التجربة أكثر إيلامًا. تحتاج إلى شخص تتحدث معه. هذا يساعدك على نسيان الألم".

تُدرك فرق الصحة النفسية في برنامج الجراحة الترميمية أهمية الدعم الاجتماعي لضحايا الحروب. يأتي المرضى في برنامج الجراحة الترميمية، مثل حسام وإياد، من مناطق نزاع مختلفة في الشرق الأوسط كفلسطين والعراق واليمن للحصول على الرعاية الطبية التي لا تتوفر في بلدانهم.

يصل بعض المرضى برفقة أحد أفراد عائلاتهم، بينما يأتي آخرون، مثل حسام، بمفردهم. وغالبًا ما يحتاج المرضى إلى عدة عمليات جراحية وفترات طويلة من إعادة التأهيل، ما يعني ابتعادهم عن عائلاتهم لفترات طويلة. وبالنسبة للكثيرين، تكون هذه المرة الأولى التي يغادرون فيها بلدهم.

ويشرح المعالج النفسي السريري في برنامج الجراحة الترميمية التابع لأطباء بلا حدود، محمود وريكات، "يعدّ الدعم الاجتماعي بين الأقران درعًا يحمي من الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والقلق. يحتاج الناس إلى أشخاص من حولهم، يساندونهم ويساعدونهم على الشعور بأن ما يمرون به طبيعي".

ويضيف قائلًا، "يقدّم المرضى هنا دعمًا لبعضهم البعض بطرق قد نعجز نحن كفريق عن توفيرها دائمًا. فهم يفهمون بعضهم البعض لأنهم جميعًا يعانون من إصابات ناجمة عن النزاعات. عندما يشاركون تجاربهم، فإنّ ذلك يساعدهم على التعافي ويعينهم على تحمّل الألم وطول فترة العلاج والبعد عن الوطن. وبالنسبة لضحايا الحروب، تتجاوز رحلة التعافي حدود العمليات الجراحية".

يقول حسام، "يأتي الناس هنا من بلدان مختلفة ويحملون إصابات متنوعة، لكن لا يوجد تفرقة بيننا. نحن إخوة وأخوات. نفهم بعضنا البعض لأننا نعرف تمامًا ما يعنيه هذا الشعور. نحن نتشارك الألم نفسه".

ويوافق إياد الرأي قائلًا، "التقيتُ هنا بأشخاص من العراق أخبروني أنهم يدعمون الفلسطينيين ويقفون إلى جانبهم. فوجئت بتضامنهم، مما زاد حبي للعراق".

عندما وصل إياد إلى المستشفى، لم يكن قادرًا على المشي من دون مساعدة. أمّا الآن، فيمشي بمفرده، لكن الإحساس في قدمه وكاحله لم يعد بعد. ويأمل أن يواصل رحلة تعافيه.

ويقول، "قبل إصابتي، كانت لديّ أحلام كبيرة بأن أصبح لاعب كرة قدم. أمّا الآن، فقد تلاشت تلك الأحلام. كل ما أتمناه هو أن أتعافى وأستعيد صحتي."

يوافقه حسام الذي سيحتاج إلى سنوات من العلاج لتخفيف انكماش الجلد الناتج عن الحروق. ويأمل في المستقبل أن يتمكن من العيش من دون أن تتأثر حياته من جراء إصابته، وأن يؤسّس عائلة ويكون له مساره المهني الخاص.

بعد انتهاء علاجهما، يأمل إياد وحسام أن يتمكنا من زيارة بعضهما البعض في بلديهما. ويقول إياد، "لن نتخلى عن بعضنا. من الصعب أن تبتعد عن الأشخاص الطيّبين".

أُنشئ برنامج الجراحة الترميمية في عمّان عام 2006 في الأساس لعلاج ضحايا حرب العراق. ومع تزايد الإصابات الناجمة عن النزاعات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، توسّع المستشفى في عمّان ليستقبل مرضى من سوريا واليمن والأردن وفلسطين، ومؤخرًا بدأ في استقبال مرضى من الصومال والسودان ليتلقوا رعاية طبية متخصّصة غير متاحة في بلدانهم.

توسّع برنامج الجراحة الترميمية ليصبح مركزًا إقليميًا لعلاج المرضى الذين يعانون من إصابات معقّدة ومؤثّرة على حياتهم، حيث يقدّم رعاية جراحية وتأهيلية متخصّصة لحالات إصابات العظام، والجراحة الترميمية والتجميلية، وإصابات الوجه والفكين، إضافة إلى الحروق وغيرها من الإصابات الناجمة عن النزاعات. ويعتمد البرنامج نهجًا متكاملًا يشمل الرعاية الجراحية والعلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي، وقسمًا للطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي. ويبقى معظم المرضى في المستشفى لعدة أشهر ليتمكنوا من علاج جروحهم الجسدية والنفسية معًا.